تشكيل لجنة تقصّي حقائق رسمية للتحقيق في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان والاعتراف بها

خلال العقدين الماضيين، أوجدت عدة بلدان خرجت لتوها من حقبات طويلة من الانتهاكات منابر للضحايا وأحياناً لمرتكبي الانتهاكات لإتاحة المجال لهم لسرد قصصهم. إن عملية قول الحقيقة قد تخرج الضحايا من عزلتهم، كما وأن الأنظمة التي ترتكب الانتهاكات كثيراً ما تضرب نطاقاً على مستويات عدة من السرية كي يبقى الضحايا غير عالمين بأن جيرانهم يعانون مثلهم أيضاً. فمن وجهة نظر مثالية تشغل تكتيكات قول الحقيقة هذه جميع السكان أو على الأقل قطاعات واسعة منهم وذلك لتعزيز عملية تضميد الجراح بدلاً من أن تكون مصدراً للشقاق.إن لجان تقصّي الحقائق هي نوع واحد من تكتيكات قول الحقيقة الذي تستخدمه الحكومات لبدء عملية المصالحة. فالصلاحيات المخولة لهذه اللجان والتي توجز أهدافها وسلطاتها تحددها الأجهزة التشريعية والتنفيذية في البلد المعني. ففي جنوب إفريقيا، تم اتخاذ قرار استراتيجي في نهاية حقبة الفصل العنصري لإيجاد عملية لجنة تقصّي الحقائق بدلاً من القيام ببساطة بعقد محاكمات لملاحقة مرتكبي الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان. وقد تم تشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة من جانب برلمان البلد ومنحها صلاحية رسم أفضل صورة ممكنة لطبيعة وأسباب ومدى الانتهاكات الصارخة التي ارتُكبت في مجال حقوق الإنسان على يد جميع أطراف النزاع وذلك خلال الفترة الواقعة ما بين أول مارس/آذار 1960 و10 مايو/أيار 1994.

وقد تم تشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة الجنوب إفريقية (TRC) بتشريع وطني صدر في 1995 بعد فترة من النقاش العام. وكانت الصلاحيات المخولة للجنة تقضي بجمع معلومات حول الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي تم ارتكابها من قِبَل أجهزة الدولة أو المعارضة المسلحة خلال فترة الفصل العنصري. وكان هدف هذه اللجنة تعزيز المصالحة والوحدة الوطنية. كما كان من المنتظر أن تعرض اللجنة مقترحات تتناول الإصلاحات السياسية للحيلولة دون حدوث انتهاكات جديدة في المستقبل. وعلاوة على جلسات الاستماع الخاصة بالعفو وحقوق الإنسان، ركزت جلسات الاستماع الخاصة على الانتهاكات التي تعرضت لها النساء والأطفال، فيما عقدت جلسات أخرى تناولت دور المجتمعات الدينية والمؤسسة الصحية والقطاع القانوني ومجتمع رجال الأعمال وغيرها من المؤسسات التي أسهمت بفعالية أو بسلبية في انتهاك الحقوق. وقد تم عقد جلسات الاستماع في كافة أنحاء البلاد، وقامت الوسائل الإذاعية ببث مقاطع منها وتوفير تغطية حية لتلك الجلسات. كما قامت جميع وسائل الإعلام بتغطية واسعة للجنة الحقيقة والمصالحة طيلة فترة عمر تلك اللجنة.

ولقد أدلى عشرون ألف ضحية بشهاداتهم. ولكي تجعل لجنة الحقيقة والمصالحة العملية مريحة للضحايا بقدر الإمكان، قامت اللجنة باستخدام (ملخّصين) يتولون الإبلاغ عن المعلومات الضرورية (وهو أيضاً تكتيك ممتع)، ويتم اختيارهم من أصحاب المهن المهتمة بالموضوع، كالوزراء والعاملين في المجال الاجتماعي والممرضات وغيرهم، حيث يقومون بتقديم الدعم للضحايا قبل وخلال وبعد العملية. ولقد تم إخضاع (الملخصين) لتدريبات واسعة على العملية وعلى هيكل اللجنة.

كان أحد الأوجه الفريدة للصلاحيات المخولة للجنة هو منح مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، ممن يرغبون في الاعتراف علناً بما ارتكبته أيديهم، عفواً مشروطاً. وتضمنت معايير العفو الكشف الكامل عن الجرائم وكذلك الإقرار بأن الدافع لتلك الانتهاكات كان سياسياً. وكان هذا العفو المشروط سياسة لم تجر محاولة العمل بها في لجان تقصي الحقائق السابقة التي لها هذا الوزن، كما وأنها أسفرت عن اعترافات عامة تناولت بالتفصيل أبشع الجرائم التي ارتكبت خلال حقبة الفصل العنصري، بما في ذلك اغتيال الناشط ستيفن بيكو في 1977.ولم يكن العفو مضموناً بالنسبة للأشخاص الذين أدلوا بإفاداتهم وذلك على الرغم من أنه لم يتم تطبيق أية خطوات لملاحقة من لم يحظوا بعفو قضائي أو الذين لم يتقدموا للإدلاء بشهاداتهم.

وقد تم إصدار تقرير لجنة الحقيقة والمصالحة والذي جاء في سبعة مجلدات ما بين عامي 1998 و2002. وعلى الرغم من أن تأثيره البعيد طويل المدى ما زال مجهولاً، إلا أن بعضاً من الإنجازات المباشرة لهذا التقرير تضمنت توصيات حول كيفية الحيلولة دون حدوث مثل تلك الانتهاكات في المستقبل، وهي الانتهاكات التي أثرت على الحكومة الجديدة، وعلى جمع توثيق لا يرقى إليه الشك حول انتهاكات حقوق الإنسان خلال حقبة الفصل العنصري. إن من المهم الإشارة إلى أن لجنة الحقيقة والمصالحة لم تف بكل ما كان منتظراً منها. ولم تتم حتى الآن الملاحقة القضائية لأي من مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان الذين رفضوا الإدلاء بشهاداتهم وذلك على الرغم من أن العملية تسمح بهذا، وعلى الرغم من أن البلد ما زال يصارع قضية التعويضات.

 

لا يقر أ مشروع التكتيكات الجديدة في حقوق الإنسان  أو يؤيد تكتيكات أو سياسات أو قضايا معينة.

ما هي الأمور التي نتعلمها من هذا التكتيك: 

ولقد تم عقد لجان تقصي الحقائق في عشرات البلدان وفي ظل عشرات الأوضاع، حيث كان لتلك اللجان صلاحيات ونتائج مختلفة. ولقد تم منح بعضها سلطات إصدار مذكرات إحضار في حين لا يملك بعضها الآخر أية أدوات قضائية مهمة. وتعقد بعض هذه اللجان جلساتها علناً أو على شاشات التلفزيون في حين يعقد بعضها الآخر جلساته خلف أبواب مغلقة. وتوصي بعض اللجان بدفع تعويضات مالية للضحايا الذين ما زالوا على قيد الحياة، فيما تم الطلب من الكثير من تلك اللجان، في إطار الجهود المبذولة لمنع حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان مستقبلاً، تقديم توصيات قوية لإحداث تغييرات في الهياكل السياسية والعسكرية والشرطية والقضائية أو في المجالين الاجتماعي والتعليمي.

غليندا وإيلدشوت مفوض سابق في لجنة الحقيقة والمصالحة الجنوب إفريقية يقول أن اللجنة عملت في ظل بعض القيود التي من بينها:

قامت لجنة الحقيقة والمصالحة بمعاينة الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان فقط. ولم يستطع ضحايا التهجير القسري ومصادرة الأراضي وقانون الزواج المختلط ومجموعة أخرى من التشريعات من اللجوء إلى اللجنة.

لقد تم تفويض لجنة التعويضات المنبثقة عن لجنة الحقيقة والمصالحة بتقديم التوصيات السياسية إلى البرلمان فيما كان لدى لجنة العفو السلطة بمنح عفو فوري.

كان على لجنة تقصي الحقائق والمصالحة تغطية فترة تمتد لمدة أربعة وثلاثين عاماً – من 1960 إلى 1994 – وذلك من خلال العمل لمدة ثلاث سنوات.

كان لدى لجنة الحقيقة والمصالحة مصادر ضئيلة للغاية لتوفير الدعم العاطفي والنفسي للضحايا.

ولا يزال هذا التكتيك مثار جدل، حيث يعتقد البعض بأن لجان تقصي الحقائق تزيد من آلام الناس وشعورهم بالعجز لأن الانتهاكات تخرج إلى دائرة الضوء دون فرض أية عقوبات على مرتكبيها. ويجادل آخرون بأن المجتمعات التي تعاني من انقسامات عميقة لا تستطيع أن تضغط من أجل الملاحقة القضائية دون أن يؤدي ذلك إلى تقوية عزم وقدرة مرتكبي الانتهاكات على مقاومة التغييرات الديمقراطية، إلا أن لجان تقصي الحقائق قد تستخدم كجزء من استراتيجية أوسع تشمل قول الحقيقة وعقاب المسيئين، أو قد تساعد وفقاً لما عليه الحال في الأرجنتين على إيجاد الأجواء السياسية الضرورية لبدء الملاحقة القضائية.